الزراعة المستدامة: لماذا تأسسنا، وإلى أين نمضي؟

كتبنا النسخة الأولى من هذا المقال في خريف 2022، قبيل انعقاد مؤتمر COP27. وفي هذه الأيام التي تركنا فيها الذكرى السنوية الأولى للزلزال خلفنا، أعدنا صياغته من البداية اعتباراً من 20 شباط/فبراير 2024؛ لأن الزراعة المستدامة، سبب تأسيس تعاونيتنا، تحولت خلال هذا العام الواحد من شعار إلى مسألة بقاء بالنسبة لنا.

الزراعة، كما بات الجميع يدركون في السنوات الأخيرة، من أهم قاطرات الدول. وهي بنية مستمرة ومتطورة منذ الإنسان الأول. وقد رأينا جميعاً في جائحة كوفيد-19 أن مستوى تقدم الدول التي لم تطور زراعتها لا قيمة له: اضطرت الدول فجأة إلى إغلاق حدودها؛ وارتفعت الأسعار ارتفاعاً مفاجئاً ومتسارعاً، بسبب التصدير في الدول المنتجة والاستيراد في الدول المستهلكة. وقد أعاد الزلزال تلقيننا الدرس نفسه على المستوى الإقليمي. فالقرية التي لا تستطيع إنتاج غذائها تعتمد في الأسابيع الأولى على شاحنات المساعدات.

ما هي الزراعة المستدامة؟

الزراعة المستدامة أسلوب إنتاج يحافظ على الموارد الطبيعية، ولا يضر بالبيئة، ويراعي توازن النظم البيئية، ويدعم الإنتاج الزراعي طويل الأمد. وتهدف إلى ضمان الأمن الغذائي للناس وإلى الحفاظ على استدامة البيئة في آن واحد. ونحن نقولها بإيجاز: أن نترك تربة يستطيع أحفادنا أيضاً أن يزرعوها.

المبادئ الستة الأساسية للزراعة المستدامة: التربة والماء والتنوع وكيماويات أقل والطاقة والإنسان.
المبادئ الستة الأساسية للزراعة المستدامة: التربة والماء والتنوع وكيماويات أقل والطاقة والإنسان.

المبادئ الستة الأساسية

  1. صحة التربة. خصوبة التربة وصحتها أساس الزراعة المستدامة. يجب زيادة محتواها من المادة العضوية، ومنع التعرية، والحفاظ على توازن حموضتها، ودعم التنوع البيولوجي فيها.
  2. حماية الموارد المائية. الماء حيوي للإنتاج الزراعي. يجب تشجيع الاستخدام الفعال لمياه الري، ومنع تلوث مصادر المياه، وحماية الماء بتدابير مثل مكافحة التعرية.
  3. التنوع البيولوجي. من المهم زراعة أنواع نباتية متعددة بدلاً من الزراعة الأحادية، ودعم الحياة البرية الطبيعية، وحماية الأنواع المحلية.
  4. تقليل المدخلات الكيميائية. الهدف هو تقليل استخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية. وتخدم هذا الهدف تقنيات الزراعة العضوية، والأسمدة الطبيعية، والمكافحة البيولوجية للآفات.
  5. كفاءة الطاقة. يلزم الاستخدام الفعال للآلات الزراعية، ومصادر الطاقة المتجددة، وتقليل أساليب الإنتاج كثيفة الطاقة.
  6. الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية. يجب دعم رفاه المزارعين والمجتمعات: التجارة العادلة، والوصول إلى الأسواق المحلية، وتدريب المزارعين، وآليات الدعم.

تشمل أساليب الزراعة المستدامة مناهج مثل الزراعة العضوية، والزراعة الإيكولوجية، والإيكولوجيا الزراعية، والزراعة المتكاملة، والزراعة الطبيعية. وتشترك جميعها في غاية واحدة: الحفاظ على استدامة إنتاج الغذاء مع حماية الموارد الطبيعية.

لعبة خطيرة: الزراعة الصناعية وعواقبها الوخيمة

أهم أسباب تأسيس تعاونيتنا هو ممارسات الزراعة المستدامة ونشرها. فمع تطور الصناعة والتكنولوجيا كان على الدول أن توسع رؤيتها الزراعية لتكون أكثر تنافسية. وهكذا جاءت الزراعة الصناعية، ومع توقعات الربح الأكبر بدأ استخدام التربة والطبيعة بلا وعي. وهذا حال العالم كله.

أراد الإنسان بطبيعته أن يعيش حياة أكثر راحة ويسراً وصحة؛ ولم يتردد بفطرته في طلب المزيد دائماً. ومع القرن العشرين بدأ يخل بتوازن الطبيعة، وبلغ هذا الخلل ذروته اليوم. فالزراعة التي كانت قديماً مهنة محلية بسيطة صارت تُمارس اليوم بأبعاد صناعية. وإلى جانب الإنتاج الكبير والمنافسة الكبيرة والربحية الكبيرة، بلغت حداً يخل بتوازن الطبيعة. أما الإنتاج الذي يضر بصحة الإنسان فبُعد آخر تماماً: تزايد السرطان وأمراض القلب والأوعية والسكري في السنوات الأخيرة ليس سوى بعض الأمثلة.

الإنسان الذي يريد أن يترك للأجيال الجديدة، مستقبلنا، حياة أفضل، لا يدرك أنه يخل بتوازن الطبيعة. فارتفاع درجة الحرارة بمقدار 1.5 إلى 2 درجة، المطروح على جدول أعمال العالم كله، يُظهر أننا على وشك أن نترك للأجيال القادمة عالماً يتصحر لا مستوى معيشة جيداً. وتجتمع الدول كل عام في محاولة لفعل شيء، راغبة في اتخاذ خطوة ولو شكلية. ومؤتمرات الأطراف (COP) أشهر مثال على ذلك.

ما هو مؤتمر الأطراف، وماذا فعل حتى الآن؟

COP يعني مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC). عندما كتبنا المقال الأول كان السابع والعشرون على وشك الانعقاد في شرم الشيخ؛ وعُقد الأخير في كانون الأول/ديسمبر الماضي في دبي. يجتمع كل عام 197 طرفاً وعشرات الآلاف من المفاوضين والمسؤولين الحكوميين والشركات والناشطين سعياً إلى تحقيق أهداف اتفاق باريس لعام 2015.

وُقعت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لأول مرة من 154 دولة في قمة الأرض في ريو دي جانيرو في حزيران/يونيو 1992. وكان هدفها كبح “التدخل البشري الخطير في النظام المناخي” عبر تثبيت تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي. ودعت الاتفاقية إلى تعاون مستمر بين الحكومات من خلال البحث العلمي والاجتماعات الدورية والاتفاقات السياساتية، حتى لا تتضرر النظم البيئية الهشة ظلماً، ولا ينقطع الإمداد الغذائي العالمي، وتمضي التنمية الاقتصادية بشكل مستدام.

وكان بروتوكول كيوتو أول اتفاق مهم بين الأطراف. وُقع في كانون الأول/ديسمبر 1997، ووضع لـ37 دولة صناعية وللاتحاد الأوروبي أهدافاً صارمة لخفض انبعاثات ستة غازات، لكنه لم يشمل كبار المصدرين للانبعاثات مثل الولايات المتحدة والصين والهند. دخل حيز التنفيذ في شباط/فبراير 2005؛ وهدف إلى خفض الانبعاثات بنسبة 5 بالمئة دون مستويات 1990 في المرحلة الأولى (2008-2012)، وبنسبة 18 بالمئة في المرحلة الثانية (2013-2020) التي مُددت بتعديل الدوحة. ورغم ذلك كشف تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2012 أن الانبعاثات ارتفعت بنسبة 32 بالمئة بين عامي 1990 و2010. وأكد التقرير مجدداً ضرورة استبدال الاعتماد على الوقود الأحفوري بالطاقة المتجددة.

الدرس الذي نستخلصه من هذا التاريخ هو: الدول التي تجتمع منذ ثلاثين عاماً لم تستطع وقف الانبعاثات. ومهما كانت الأسباب والمسؤولون، نرى أنه يجب التركيز على الحلول بغض النظر عن ذلك. ولهذا أطلقنا حركتنا من المحلي إلى العالمي.

لماذا الزراعة المستدامة؟

لأنه لا سبيل آخر. لقد أُنهكت التربة؛ وتراكمت فيها مواد كيميائية وسامة بسبب الأسمدة والمبيدات غير الضرورية المستخدمة حتى الآن. وتناقص الماء؛ فكما شرحنا في مقالنا عن تغير المناخ، تزداد آبار سهل العمق عمقاً كل عام. أما أسعار المدخلات فتلتهم ربح المزارع. الزراعة المستدامة بالنسبة لنا ليست أيديولوجيا، بل النتيجة التي تُظهرها الآلة الحاسبة: مدخلات أقل، ومنتج أكثر صحة، وتربة أطول عمراً.

التعاونيات، ولا سيما التعاونيات النسائية، هي الأداة الأكثر طبيعية لهذا التحول. فنستطيع معاً أن نتحمل كلفة التجارب والتدريب والتسويق التي لا يجرؤ مزارع بمفرده على تحملها. يرجى التواصل معنا لدعم حركتنا من المحلي إلى العالمي. نحتاج إلى رأي كل فئة وأفكارها؛ ونؤمن بأن هذا يجب أن يُفعل من أجل مستقبلنا.

تعاونيتنا في المرحلة الثالثة

كانت المرحلة الأولى هي التأسيس، والثانية بدء الإنتاج. وفي المرحلة الثالثة تنزل حركتنا من المحلي إلى العالمي إلى الميدان: ستتحدث وتُعلم وتنظم تدريبات واجتماعات. أما الركيزة المهمة الأخرى للحركة فهي: بعد معاينة الطلبات الواردة إلينا في الموقع، سنعد تقريراً بحاجات الشخص أو المؤسسة المتقدمة وما يجب فعله وما يجب تجنبه؛ وسنرافق الطلب في كل خطوة من بدايته إلى نهايته حتى إتمامه؛ ثم سنراقب لمدة سنتين إضافيتين ونسجل البيانات. نريد قياس انبعاثات الغازات مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، والبصمة الكربونية، وتكاليف التشغيل، وسجلات الإنتاجية، ونسب الربحية، ومشاركتها برسوم بيانية. ما لا يُقاس لا يمكن تحسينه.

ولدعم الزراعة العضوية والتمكن من تقديم النصح، سننتج بأنفسنا في بيت محمي بمساحة 5 إلى 15 دونماً، ومن هناك سنُعلم مزارعينا ونشجعهم على عمل مربح. وستمضي كل أعمالنا بالتنسيق مع جامعة هاتاي مصطفى كمال. ونتابع الأعمال الحائزة على جوائز لرئيس بلديتنا الكبرى السيد لطفي صاواش في مشاريع الزراعة المائية وننتظر دعمه.

الزراعة المائية والأنظمة المشابهة

في نظام الأكوابونيك تغذي فضلات الأسماك النباتات وترشح الجذور مياه الحوض.
في نظام الأكوابونيك تغذي فضلات الأسماك النباتات وترشح الجذور مياه الحوض.

أنشأت بلدية هاتاي الكبرى، ضمن مشروع SİEU Green التابع لبرنامج منح المفوضية الأوروبية، بيتاً محمياً يدمج نظامي الزراعة المائية (بدون تربة) والأكوابونيك (التربية المائية). وفي تقنية الأكوابونيك تُستخدم فضلات الأسماك مصدراً للسماد البيولوجي للنباتات، وتعمل جذور النباتات مرشحاً طبيعياً لحوض الأسماك. وتخطط البلدية لتشغيل هذا البيت المحمي بنموذج “مركز التعليم المستمر” كمختبر حي مفتوح للجمهور ورواد الأعمال والطلاب، ولتعليم هذه التقنية لمجموعة من نحو 400 امرأة من النساء المحرومات والضيفات السوريات عبر ورش عمل تُظهر إمكانية تطبيقها في الشرفة أو المطبخ.

ويقول الرئيس صاواش إن النظام يتيح إنتاجاً بعيداً عن التراكم الكيميائي في التربة وعن الأمراض الفطرية والبكتيرية والفيروسية، وإن الخس الذي يستغرق وصوله من الحقل إلى المائدة خمسين يوماً في المتوسط ينمو في هذا النظام خلال عشرة إلى خمسة عشر يوماً؛ ويصفه بأنه “مفيد للغاية من حيث الصحة والوقت والاقتصاد”. يمكنكم قراءة الخبر كاملاً على موقع بلدية هاتاي الكبرى. ونريد نحن أيضاً تجربة هذا النظام في بيتنا المحمي ومشاركة النتائج هنا.

ما فعلته الدولة في الري وما سنضيفه

تنفذ وزارة الزراعة والغابات أنشطة تدريب وإرشاد ليتمكن المزارعون من تخطيط أنظمة الري بالضغط وتشغيلها ودمج الأدوات الرقمية فيها. ووفق البيانات التي نشرتها الوزارة، عُقد ضمن برنامجي التدريب “أنظمة الري بالضغط” و”أنظمة الري الفعالة والكفؤة” 73 تدريباً في 26 محافظة وحصل 1,329 مزارعاً على شهادة؛ والنساء لا يشكلن سوى 16 بالمئة من الحاصلين على الشهادات. كما نُظمت زيارات ميدانية إلى الجامعات ومؤسسات البحث ومصنّعي المعدات ليشاهد المزارعون في الموقع الري بالطاقة الشمسية وحصاد المياه والري بالتنقيط تحت السطحي والري في البيوت المحمية وأنظمة الصرف المغلقة؛ ونوقشت مشكلات 554 مزارعاً مع الخبراء في ورش عمل وأيام حقلية وندوات إلكترونية؛ ووُزعت 9,586 مادة إرشادية في موضوعات تمتد من أضرار الإفراط في الري إلى الري بالتنقيط تحت السطحي.

تخبرنا هذه الأرقام أمرين. الأول: لدى الدولة بنية تحتية للتدريب ويمكن الاستفادة منها. والثاني: المزارعات لا يتم الوصول إليهن؛ ونسبة 16 بالمئة تُظهر ذلك بوضوح. ونحن كتعاونية نسائية نريد سد هذه الفجوة بالذات: أن نحمل تدريبات الوزارة إلى القرية، إلى عتبة بيت المزارعة، وأن نعرض ما تعلمناه في بيتنا المحمي.

كلمتنا لكل مزارع ولكل مؤسسة ولكل قارئ لهذا المقال واحدة: نحن لا نبحث عن أسباب أو مذنبين؛ بل نبحث عن حلول. ننتظر أفكاركم عبر صفحة الاتصال.

حركتنا من المحلي إلى العالمي: من المسؤول عن تصحر العالم؟

أطلقنا حركتنا من المحلي إلى العالمي رسمياً في تشرين الثاني/نوفمبر 2022. مضى عام؛ عشنا خلاله زلزالاً وتعلمنا الكثير. يعيد هذا المقال، اعتباراً من 5 كانون الأول/ديسمبر 2023، شرح غاية حركتنا وطريقتها والمرحلة التي بلغناها.

ما نريد فعله بشأن تغير المناخ هو، قبل كل شيء، أن نكون روّاد تيار يبدأ من المحلي ويمضي إلى العالمي. قد تبدو هذه جملة طموحة؛ لكننا نكتب من قرية في هاتاي، ولهذا بالذات نقولها. تُناقش حلول المشكلات العالمية في القمم العالمية؛ لكن اليد التي تلمس التربة، والمزارع الذي يحفر البئر، والمنتج الذي يختار السماد، كلهم في المحلي دائماً. وإن لم يبدأ التغيير من تلك اليد فلن يبدأ من أي مكان.

لماذا من المحلي؟

هذه القضية التي نتناولها ضمن الزراعة المستدامة، إحدى غايات تأسيس تعاونيتنا، ضرورية وصالحة للعالم كله كما هي لنا. فهذه الحركة ليست مسألة صغيرة يمكن أن تنهض بها خمس أو عشر مؤسسات في كل بلد. وللأسف ليس لدينا وقت نضيعه في لوم رأس المال العالمي والصناعة العالمية وشركات التكنولوجيا والزراعة العالمية، وانتظار الخطوات الكبيرة منها، ومخاصمتها، والاحتجاج عليها. سيكون ذلك جهداً ضائعاً. رأينا واضح: حل مشكلة هائلة تهم الجميع لا يكون إلا بحركة من المحلي إلى العالمي. وسيكون علينا أن نوجه جشعنا وطموحنا نحو هذه القضايا وأن نكافح هذه المشكلة العالمية معاً.

جوهر الحركة: بالحوار لا بالخصام

بالحوار لا بالخصام: خمس خطوات من التوعية إلى التقرير.
بالحوار لا بالخصام: خمس خطوات من التوعية إلى التقرير.

الخطوات التي يجب أن نتخذها بالترتيب هي:

  1. التوعية. إعلام المزارعين والصناعيين وكل الفئات التي تلوث البيئة بالوضع بلغة لطيفة ومعتدلة. ليس بمحاربة أحد، بل بالحديث معه بطريقة حسنة.
  2. التدريب والاجتماعات. تنظيم تدريبات واجتماعات متنوعة لمزيد من الوعي؛ وعبر وسائل التواصل الاجتماعي والمطبوعات، مساعدة جميع الناس على الوعي بهذه القضية وعلى أن يخطو كل منهم خطوة تناسبه.
  3. التواصل مع المؤسسات. التحدث مع وزارة الزراعة ووزارة التجارة والبنوك من أجل أن تُوفَّر أولاً لمزارعينا ثم لحرفيينا وصناعيينا آجال مناسبة ومنح وحوافز لشراء الطاقة الشمسية والمحركات الكهربائية والآلات والمعدات.
  4. التركيب بنظام تسليم المفتاح. تحديد حاجات الناس، وتعيين الخطوات الواجب اتخاذها، وإتمام الأوراق وإجراءات الشراء، وتشغيل المعدات.
  5. تقرير ما قبل وما بعد. قياس أثر ما أُنجز على البيئة وصحة الإنسان وتوثيقه. ما لا يمكنك قياسه لا يمكنك تحسينه.

باختصار، خلاصة مشروعنا هي: تقليل الاستخدام غير الواعي والجائر للماء والطاقة والسماد الكيميائي والمبيد الكيميائي إلى أدنى حد؛ وتقديم ذلك للناس كخدمة بنظام تسليم المفتاح. هذه مهمتنا الأساسية.

السماد العضوي والمبيد العضوي والحديقة العضوية النموذجية

الحديقة العضوية النموذجية: طاقة شمسية وري بالتنقيط وسماد ومبيد عضويان؛ نموذج يُقاس قبل وبعد.
الحديقة العضوية النموذجية: طاقة شمسية وري بالتنقيط وسماد ومبيد عضويان؛ نموذج يُقاس قبل وبعد.

لا أحد يجهل الضرر الذي تلحقه الأسمدة والمبيدات الكيميائية بالطبيعة وبصحة الإنسان. وهذان الأمران يتصدران الخطوات الواجب اتخاذها. لذلك حددنا منشأة متكاملة للسماد العضوي والمبيد العضوي نرى أنه يجب إنشاؤها فوراً وبشكل عاجل، وحديقة عضوية نموذجية يمكن لأي شخص أن يأتي ويراها، بوصفهما الركيزتين الملموستين لحركتنا. ستعرض الحديقة الري بالتنقيط الذي يعمل بالطاقة الشمسية، والإنتاج الخالي من الكيماويات، وتحاليل التربة قبل وبعد، في مكان واحد. ليس كلاماً، بل حقلاً.

الطاقة: القضية الأساسية في القرن الحادي والعشرين

لعل إحدى أهم مشكلات القرن الحادي والعشرين هي الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة. فالقفزة الهائلة في أسعار الطاقة بعد الجائحة كانت أكثر من كافية لتجعل الناس يفكرون بجدية في سؤال “ماذا سيحدث في المستقبل”. والاعتماد على الطاقة من أكثر القضايا التي تخشاها دول العالم كلها.

وبينما دفعت الحاجة المتزايدة إلى الطاقة الدول إلى بحث عميق، استهلكت الصناعة المتنامية مزيداً من الطاقة وصارت أكثر إنتاجية وكفاءة. وكان الإنسان الراغب في حياة أكثر حداثة وراحة ورفاهية مدركاً في الحقيقة كيف يغير الطبيعة والمناخ. وكثير من الخطوات المتخذة لحماية الطبيعة والمناخ ظهرت خطوات صغيرة جداً. ولا تزال جهود تقنيات اليوم لحماية الطبيعة غير كافية. ولهذا بالضبط فإن اللوح الشمسي في حقل المزارع، واللوح على سطح مصنع الصناعي، والمحرك الكهربائي بدل الديزل، ليست بالنسبة لنا مجرد توفير، بل هي الحركة نفسها.

أحفادنا بعد مئة عام

بعد مئة عام من الآن، ستتناقش أجيال جديدة، وقد نضبت مياهها الجوفية وتصحرت أراضيها وباتت على حافة الجوع، من خلف ظهورنا “كيف دمرنا الطبيعة ونظام الكون بجشع وتهور”. نعم، للأسف، قد يصارع أحفادنا الجوع ومشكلات عالم يتصحر، ومن يدري ماذا سيقولون عنا. أغمضوا أعينكم من فضلكم وفكروا في هذا لحظة. ثم فكروا في حركتنا من المحلي إلى العالمي.

هناك مصادر لا حصر لها يمكنكم أن تقرؤوا فيها عن أسباب تغير المناخ وآثاره؛ وقد جمعناها بكلماتنا في مقال مشروعنا لتغير المناخ. كما تواصل حركتنا نشر مشاركاتها حول هذا الموضوع كقصص على حساباتنا في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فتابعونا من فضلكم.

من المسؤول عن تصحر العالم؟ الجواب: الجميع

غاية حركتنا التي تبدأ من المحلي وتمتد إلى العالمي هي أن نعلم أن تغير المناخ يعنينا جميعاً وأن نتخذ التدابير اللازمة. سنتحدث لا عن مصادر مشكلات العالم المتصحر، أو بتعبير أدق العالم الذي نحوّله إلى صحراء، بل عن حلولها. لا وقت لدينا للبحث عن مذنب؛ لأن المذنب هو نحن جميعاً، والحل أيضاً بأيدينا جميعاً.

أهداف تعاونيتنا ومشروعنا

هدفنا الأول، من بين أكبر غايات تأسيس تعاونيتنا، هو أن تصبح الزراعة أكثر استدامة وأعلى قيمة مضافة وأقل كلفة، وأن نترك للأجيال القادمة أراضي يمكن زراعتها. نقول هذا منذ البداية. وفي هذا السياق تبرز المشكلة الأخطر والأصعب أمامنا: تغير المناخ والجفاف. لذلك يمضي مشروعنا تحت أربعة عناوين:

  • تغير المناخ: التوعية والتدريب والتواصل مع المؤسسات.
  • الجفاف: أنواع تتحمل الجفاف، وري بالتنقيط، ومادة عضوية تزيد قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء.
  • البصمة الكربونية: قياس البصمة الكربونية لأعضائنا والمنشآت من حولنا وتقليلها.
  • تدوير النفايات الزراعية: تحويل مخلفات التقليم والقش والسماد الحيواني إلى سماد عضوي في المنشأة.

بصراحة، في نهاية العام الأول جعلنا الزلزال نتقدم أبطأ مما خططنا. لكن الفكرة الأساسية للحركة تتأكد أكثر مع كل يوم يمر. نحن نقدّر أفكاركم المختلفة في هذا الموضوع ونهتم بها. لا تترددوا في التواصل معنا عبر صفحة الاتصال. من المحلي إلى العالمي؛ بدءاً من قرية واحدة.

مشروعنا لتغير المناخ: خارطة طريق لمكافحة الجفاف

نشرنا هذا المقال لأول مرة في شباط/فبراير 2023، قبل الزلزال مباشرة. وخلال الأشهر العشرة التي مضت تغيرت منطقتنا وتغير تفكيرنا كثيراً. واعتباراً من 5 كانون الأول/ديسمبر 2023 أعدنا كتابة المقال من البداية ووضعنا الجفاف في قلب مشروعنا.

مثل كل من يعيش في هاتاي، سنتذكر هذا العام بيوم 6 شباط/فبراير. أجبرنا الزلزال على تأجيل بعض الخطوات التي خططنا لها. لكنه أظهر أيضاً أمراً واضحاً جداً: الطبيعة لا تستأذننا. فالحرارة التي عشناها طوال الصيف، والآبار التي تزداد عمقاً في سهل العمق، وخريف يكاد يخلو من المطر، كلها أكدت في الحقل كل جملة كتبناها في هذا المقال. وقد أُعلن أن عام 2023 في طريقه لأن يكون الأشد حرارة في التاريخ المسجل؛ وفي هذه الأيام يجتمع قادة العالم في دبي في مؤتمر COP28. أما نحن، ففي قريتنا وبمقياسنا الخاص، أعدنا كتابة ما يمكننا فعله.

ما هو تغير المناخ؟

تغير المناخ هو ظهور تغيرات طويلة الأمد وقابلة للقياس في النظام المناخي للأرض. وهو نتيجة التفاعل بين الغلاف الجوي والبحار والأنهار الجليدية واليابسة؛ يمتد على مدى عقود وقرون ويُظهر آثاره على نطاق عالمي. له أسباب طبيعية أيضاً، لكن السبب الرئيسي للتغير السريع الذي نعيشه اليوم هو النشاط البشري: استخدام الوقود الأحفوري، وإزالة الغابات، والصناعة، والممارسات الزراعية الخاطئة تزيد غازات الدفيئة في الغلاف الجوي. تحبس هذه الغازات الحرارة عند سطح الأرض؛ والنتيجة هي الاحترار العالمي، وارتفاع مستوى سطح البحر، والظواهر الجوية المتطرفة، وما نشعر به أكثر من غيره: تناقص الموارد المائية.

العوامل الرئيسية لتغير المناخ

الاحترار العالمي وتغيرات النظام البيئي وانبعاثات غازات الدفيئة؛ ولكل منها خطوتنا الخاصة.
الاحترار العالمي وتغيرات النظام البيئي وانبعاثات غازات الدفيئة؛ ولكل منها خطوتنا الخاصة.

الاحترار العالمي

كلما تراكمت غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وبخار الماء في الغلاف الجوي، حُبست حرارة الشمس عند السطح وارتفعت درجة حرارة سطح الأرض على المدى الطويل. والنتائج معروفة: ارتفاع مستوى سطح البحر، وتزايد الأعاصير والفيضانات، والجفاف، وتعرية التربة، وتراجع التنوع البيولوجي. لا تمس هذه الآثار الطبيعة وحدها، بل النشاط الاقتصادي ونوعية حياتنا جميعاً. أما في جانب الحلول فهناك خفض انبعاثات غازات الدفيئة، والطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والتنمية المستدامة.

تغيرات النظام البيئي

تدمير الغابات، والتوسع العمراني غير المخطط، والإفراط في استخدام الموارد المائية، والتعدين، والتلوث، كلها تغير النظم البيئية بطريقة يصعب التراجع عنها. والنتيجة هي فقدان الموائل، وانقراض الأنواع، وانتشار الأنواع الغازية، والتلوث. ويسرّع تغير المناخ هذه السلسلة. والعلاج واضح أيضاً: إنشاء المحميات، وجعل الغابات والزراعة مستدامة، ومكافحة الأنواع الغازية، ومنع التلوث من مصدره.

انبعاثات غازات الدفيئة

تأتي غازات الدفيئة من مصدرين. الطبيعية منها هي بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان والأوزون. أما البشرية المصدر فهي ثاني أكسيد الكربون (CO₂) والميثان (CH₄) وأكاسيد النيتروجين (NOx) والغازات المفلورة المنبعثة من الوقود الأحفوري والصناعة والزراعة والغابات ومكبات النفايات. المشكلة الحقيقية في المجموعة الثانية. وسبل خفض الانبعاثات معروفة أيضاً: الطاقة النظيفة، وكفاءة الطاقة، والنقل الخالي من الانبعاثات، وحماية الغابات وإنشاء غابات جديدة، والممارسات المستدامة في الزراعة. ونحن كتعاونية ركزنا على البندين الأخيرين من هذه القائمة.

الجفاف: النتيجة الأكثر واقعية بالنسبة لنا

الأمطار تقل والآبار تزداد عمقاً. جوابنا: أنواع تتحمل الجفاف وإنتاج خالٍ من الكيماويات.
الأمطار تقل والآبار تزداد عمقاً. جوابنا: أنواع تتحمل الجفاف وإنتاج خالٍ من الكيماويات.

كل عناوين تغير المناخ مهمة؛ لكن إن سألت مهندساً زراعياً أو مزارعاً في قرقخان فالجواب كلمة واحدة: الجفاف. لقد اختل نمط الأمطار؛ فالمطر الذي ينبغي أن يهطل شتاءً إما لا يأتي أو يتحول إلى سيل يجرف كل شيء في يوم واحد. ويعوّض السهل هذا العجز من المياه الجوفية؛ فتزداد الآبار عمقاً كل عام. وإن استمر هذا الإيقاع، فستصبح الزراعة المروية أولاً، ثم حياة القرية نفسها، غير قابلة للاستمرار.

لذلك وضعنا لمشروعنا مبدأين. الأول: أن يكون كل نوع نزرعه متحملاً للجفاف. والثاني: ألا تضيع قطرة ماء واحدة: ري بالتنقيط، وغطاء نباتي يحمي التربة، ومادة عضوية تزيد قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء. لا سماد كيميائي ولا مبيد؛ لأن الكيماويات تقتل حياة التربة ومعها قدرتها على حبس الماء.

كيف صممنا مشروعنا؟

جلسنا كتعاونية مبادرة نسائية، وتحدثنا طويلاً، وكتبنا ما يمكننا فعله. وبسبب الزلزال اضطررنا إلى تأجيل بعض الخطوات؛ لكن خطتنا لا تزال كما هي.

  1. تحديد الموضوع. تغير المناخ مجال واسع جداً؛ يتفرع إلى موضوعات كثيرة مثل انبعاثات غازات الدفيئة، وارتفاع درجة الحرارة العالمية، ومستوى سطح البحر، وتغيرات النظام البيئي. قرر فريقنا المكون من ثلاث مهندسات زراعيات ومبرمج حاسوب أن يتصدى لانبعاثات غازات الدفيئة وارتفاع درجة الحرارة العالمية.
  2. البحث. قرأنا على نطاق واسع في الموضوعين وصادفنا آراء متباينة جداً. والنقطة المشتركة التي توصلنا إليها هي: غازات الدفيئة من أكبر العوامل المؤثرة في عالمنا. فما الذي يمكن لتعاونية قروية أن تفعله حيال ذلك؟
  3. الغاية. خفض انبعاثات غازات الدفيئة بمقياسنا الخاص، وإنشاء مساحات خضراء تمتص الكربون من الغلاف الجوي.
  4. الهدف. خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن أنشطة أعضاء تعاونيتنا بنسبة 10 بالمئة، وحماية المساحات الحرجية من حولنا.
  5. التشخيص. في المحافظات والأقضية التي نعيش فيها نفقد مساحاتنا الحرجية كل عام لصالح مناطق عمرانية تنبت كالفطر. وانتشار نباتات الأحراش (الماكي) بهذه الكثافة في جغرافيتنا دليل على أن غاباتنا تُركت بلا صاحب. يجب أولاً وقف هذا الفقد.
  6. التحليل والقرار. لزيادة الاستقلال الاقتصادي لأعضاء تعاونيتنا وشركائنا القرويين من جهة، ولمنح الطبيعة متنفساً من جهة أخرى، وضعنا هدف تخضير 50 دونماً من أراضي الأحراش والصخور بثمار غابية بين عامي 2023 و2028.
  7. الحل. توفير دخل لأعضائنا وشركائنا بزراعة منتجات عالية القيمة المضافة، وخلق فرص عمل، وإنشاء مساحة خضراء واسعة ومنظمة ومعتنى بها قادرة على امتصاص غازات الدفيئة. وأثناء كل ذلك لن تُستخدم أي كيماويات ولن تُزرع إلا أنواع تتحمل الجفاف. وتُظهر تحليلاتنا أن هذا النهج يمكن أن يلقى دعماً من السكان المحليين ومن المؤسسات الوطنية والدولية على حد سواء.
  8. التقارير. صممنا المشروع بحيث ينشئ مساحة حرجية فعالة خلال ثلاث سنوات ويحقق عائداً اقتصادياً في الوقت نفسه. وسنقيس كل عام الوضع قبل وبعد وننشره هنا.

الزراعة المستدامة وما علمتنا إياه الصناعة 4.0

الموضوع الذي نصر عليه، والغاية الكبرى من تأسيس تعاونيتنا، هو الزراعة المستدامة: أكبر صناعة في العالم، وأقدم مهنة فيه، وركيزته التي لا غنى عنها. يجب ألا نسمح لطموحنا بأن يقصّر حياة الأجيال القادمة أو يسبب لها مشكلات صحية خطيرة.

التوجه السائد في العالم هذه الأيام هو الابتعاد ولو قليلاً عن المنافع التي توفرها الصناعة؛ والعيش في أحضان الطبيعة. رأينا جميعاً كيف أثرت مفاهيم مثل الصناعة 3.0 و4.0 في حياة الإنسان. لا ننكر نعمها: صار النقل سهلاً وسريعاً جداً؛ وصار غذاؤنا صحياً ومتنوعاً ولذيذاً ومثالي المظهر؛ وصار التدفئة بسهولة ضغطة زر. لكن الثمن باهظ أيضاً: صارت أجسامنا كسولة، وذهبت صحتنا، وازداد ثاني أكسيد الكربون. وفي هذا الميزان نختار الوقوف في صف الطبيعة.

نداؤنا إلى الجهات المسؤولة وإلى أعضائنا

من الضروري أن تُحسم على وجه السرعة الأمور التي ناقشناها مع الجهات المختصة. فتخصيص أراضي الأحراش والصخور، ودعم الشتلات المتحملة للجفاف، وحوافز الري بالتنقيط، ليست أموراً تستطيع تعاونية أن تحملها وحدها. أما من أعضائنا وقرائنا فنطلب شيئاً واحداً: أن يروا هذه القضية لا كمسألة عالمية بعيدة، بل كمسألة حقلهم وبئرهم. يمكنكم إرسال أفكاركم واقتراحاتكم وانتقاداتكم عبر صفحة الاتصال.